
اضطراب التعلّق الانفعالي هو حالة نفسية يُظهر فيها الطفل ارتباطًا مفرطًا أو غير متوازن بشخص أو شيء محدد، مثل الأم أو الأب أو أدوات معينة كالوسادة، البطانية أو لعبة محببة. هذا الارتباط يتجاوز الحدود الطبيعية ليصبح عائقًا أمام استقلالية الطفل ونموه الانفعالي السليم. يظهر الاضطراب غالبًا نتيجة عوامل نفسية أو بيئية، ويؤثر على قدرة الطفل في التكيف مع المواقف الجديدة أو الاعتماد على ذاته، مما يستدعي الانتباه والتدخل المبكر لضمان نمو صحي ومتوازن.

أسباب التعلّق الانفعالي عند الأطفال
🔹 1. أسباب نفسية
- حاجة الطفل المبالغ فيها إلى الحنان والاحتواء، خصوصًا إذا لم يجد من يبادله هذا الشعور بشكل كافٍ.
مثال: طفل يتعلّق ببطانيته لأنه يجد فيها الدفء الذي يفتقده من والديه.
🔹 2. أسباب عضوية وصحية
- إصابة الطفل بإعاقة جسدية، أو قصور في بعض الأعضاء، أو معاناته من مرض مزمن، مما يزيد حاجته للشعور بالأمان.
مثال: طفل يعاني من مرض في القلب قد يتمسك بدمية صغيرة يرفض الابتعاد عنها لأنها تمنحه الطمأنينة.
🔹 3. القسوة أو التجاهل
- معاملة الطفل بصرامة مفرطة أو تجاهل مشاعره، ما يدفعه للبحث عن بديل يشعره بالراحة.
مثال: أب يصرخ دائمًا على طفله فيجد الأخير الأمان فقط عند جدته فيتعلق بها بشدة.
🔹 4. غياب الأم لفترات طويلة
- السفر أو الانشغال المتكرر للأم يؤدي لفراغ عاطفي عند الطفل.
مثال: طفل أمه تعمل لفترات طويلة في المدرسة، فيبدأ بالتمسك بلعبته المفضلة لتعويض غيابها.
🔹 5. تنوّع أساليب التربية بين الوالدين
- إذا كانت الأم تدلل بشكل زائد بينما الأب يتبع أسلوبًا صارمًا، فالطفل يتعلّق بالطرف الأكثر لينًا لأنه يشعر معه بالراحة.
مثال: طفل يرفض النوم إلا بجوار والدته لأنها لا تفرض عليه قيودًا كما يفعل والده.
🔹 6. عدم الاستقرار المكاني
- كثرة تنقل الأسرة بين منازل أو مدن مختلفة يزرع القلق في نفس الطفل، فيتمسك بأشياء معينة كإشارة إلى حاجته للأمان.
مثال: أسرة تنتقل من مدينة لأخرى فيتمسك الطفل بوسادته أينما ذهب.
🔹 7. ضعف التواصل اللفظي
- عندما يجد الطفل صعوبة في التعبير بالكلام، فإنه يميل إلى التعلق بالأشخاص الذين يفهمونه بدون كلمات.
مثال: طفل متأخر لغويًا يرفض الابتعاد عن أمه لأنها الوحيدة التي تفهم إشاراته.
🔹 8. قدوم مولود جديد
- انشغال الأم بالمولود الجديد يجعل الطفل يشعر بالإهمال، فيبحث عن وسيلة ليعوّض النقص العاطفي.
مثال: طفل بدأ يمص إصبعه ويحتضن لعبته طوال الوقت بعد ولادة أخيه.
🔹 9. تدخل الأجداد أو أطراف أخرى
- عندما يقوم الجد أو الجدة بالدلال المفرط أمام الأبوين، يكسر الطفل القوانين ويبحث عن الحماية من الطرف المتساهل.
مثال: جدة تعطي الطفل الحلوى رغم رفض والديه، فيتعلق بها ويتجاهل توجيهات والديه.
🔹 10. غياب الروتين والاستقرار العاطفي
- كثرة التناقض في تعامل الأهل (مرة لطف ومرة قسوة) تجعل الطفل مرتبكًا، فيتمسك بشيء أو شخص محدد ليحقق الاستقرار النفسي.
مثال: أم أحيانًا تعاقب ابنها بشدة وأحيانًا تدلله بلا حدود، فيتعلق بمدرسته أو معلمته التي يتعامل معها بثبات أكثر.
🔹 11. الصدمات المبكرة
- فقدان شخص عزيز أو تجربة مؤلمة قد تزرع الخوف، فيلجأ الطفل للتعلق المبالغ فيه.
مثال: طفل فقد والده وهو صغير يتمسك بصورة له أو غرض يخصه كرمز للأمان.

أعراض ومظاهر التعلّق الانفعالي عند الأطفال
🔹 1. الارتباط المفرط بشخص أو شيء محدد
- تمسك الطفل الشديد بالأم، أو بلعبة معينة (مثل الدمية أو البطانية)، لدرجة رفض الابتعاد عنها.
مثال: طفل يرفض الذهاب إلى الروضة إلا إذا أخذ لعبته معه.
🔹 2. صعوبة الانفصال
- نوبات بكاء أو غضب شديدة عند ابتعاد الطفل عن الشخص الذي يتعلق به.
مثال: طفل يدخل في نوبة بكاء طويلة كلما خرجت أمه إلى السوق.
🔹 3. القلق الزائد
- خوف مفرط من المواقف الجديدة أو الأشخاص غير المألوفين، وكثرة البحث عن الطمأنينة.
مثال: طفل يخاف من النوم في غرفة بمفرده ويتمسك بالنوم مع والديه.
🔹 4. الاعتماد على الآخرين بشكل مبالغ فيه
- تفضيل الطفل أن يُطعم أو يُلبس بدلًا من الاعتماد على نفسه.
مثال: طفل في عمر المدرسة يرفض أن يأكل بمفرده وينتظر والدته لتطعمه.
🔹 5. الانسحاب الاجتماعي
- ميل الطفل للعزلة أو اللعب وحده إذا لم يتوفر له الشخص أو الشيء الذي يتعلق به.
مثال: طفل يرفض اللعب مع أقرانه إذا لم تكن بطانيته بجانبه.
🔹 6. ضعف التحصيل أو التركيز
- انشغال الطفل المستمر بالشيء أو الشخص المرتبط به، مما يؤثر على قدرته على التعلم.
مثال: طفل يظل ممسكًا بلعبته في الفصل ويرفض المشاركة في الأنشطة.
🔹 7. السلوكيات الرجعية
- عودة الطفل لتصرفات أصغر من عمره مثل مص الأصابع أو التبول الليلي.
مثال: طفل عمره 6 سنوات عاد لمص إصبعه بعد قدوم أخ جديد.
🔹 8. مظاهر جسدية مرتبطة بالقلق
- صداع، آلام في البطن، أو فقدان الشهية عند الابتعاد عن مصدر التعلق.
مثال: طفل يشتكي من “وجع بطن” كلما حاولت أمه تركه في الحضانة.

الفطام النفسي عند الأطفال
الفطام النفسي أو الانفعالي هو المرحلة التي ينتقل فيها الطفل تدريجيًا من التعلق الشديد بالأم إلى التعلق بأشياء بديلة مثل البطانية، الوسادة، أو اللعبة المفضلة. في هذه المرحلة، يُسقط الطفل مشاعره وخيالاته على هذه الأشياء الانتقالية كوسيلة للشعور بالأمان والاستقلال النسبي عن الأم.
ومع نمو الطفل، يبدأ بالتخلي عن هذه العادة تدريجيًا ليكوّن استقلاله الانفعالي والشخصي. لكن عندما يستمر التعلق المبالغ فيه بهذه الأشياء إلى مرحلة المراهقة أو ما بعدها، فقد يكون مؤشرًا على عدم الاتزان الانفعالي أو وجود عُقد نفسية مثل:
- قلق الانفصال: الخوف الزائد من فقدان الارتباط بالشخص أو الشيء.
- الحرمان العاطفي: شعور الطفل بعدم حصوله على ما يكفي من الحب والاحتواء.
- زيادة الاعتمادية على الآخرين: صعوبة تحمل المسؤولية أو الاستقلال.
وفي بعض الحالات، قد يتحول هذا التعلق إلى سلوكيات بديلة في المراهقة والشباب، مثل:
- التعلق المفرط بنوع من الطعام.
- الإفراط في الأكل كتعويض عن الحرمان العاطفي الفموي.
- سلوكيات أخرى مثل التدخين أو العادات المتكررة، والتي تُعد رموزًا لإشباع حاجات لم تُلبَّ في الطفولة.

علاج التعلق الانفعالي غير المتزن عند الأطفال
أول خطوة في العلاج هي أن يتم وفق معايير واضحة وشمولية، بحيث لا يقتصر التدخل على جانب واحد فقط، بل يشمل جميع أبعاد نمو الطفل. ويتم ذلك عبر الخطوات التالية:
🔹 1. التقييم الشامل
- إجراء مسح دقيق لجميع الجوانب النفسية، الاجتماعية، المهارية، اللغوية، الحسية والحركية.
- تدوين جميع المسببات المحتملة للتعلق، مع تحديد توقيت حدوثها ومدتها، لقياس أثرها على الطفل بدقة.
🔹 2. اختيار الأسلوب العلاجي المناسب
- تصميم خطة علاج فردية تتناسب مع احتياجات الطفل الخاصة.
- استخدام استراتيجيات تحليل السلوك التطبيقي (ABA) في تعديل السلوكيات وتعزيز البدائل الإيجابية.
- العلاج بالفن
- العلاج بالعمل
🔹 3. توحيد خطة العلاج مع جميع أفراد الأسرة
- إشراك الوالدين والإخوة وغيرهم من مقدمي الرعاية في تطبيق الخطة، لضمان الاتساق في التعامل مع الطفل.
- تجنّب الإفراط في التدليل أو القسوة، وتحقيق التوازن في الاستجابات التربوية.
🔹 4. تنمية الجوانب النمائية كافة
- تعزيز الجوانب النفسية والعاطفية عبر تهيئة بيئة آمنة وداعمة.
- دعم الجوانب الاجتماعية من خلال تشجيع التفاعل مع الأقران.
- تنمية الجانب المهاري واللغوي لتقليل الاعتمادية وزيادة الاستقلالية.
🔹 5. إعادة التوازن النفسي للطفل
- الهدف النهائي هو مساعدة الطفل على تحقيق الأمان والرضا والاستقرار النفسي.
- الحذر من الوقوع في خطأ إعادة تكوين تعلق غير صحي بمقدّم الخدمة أو أحد الوالدين.
- لذلك، يجب أن تكون خطة العلاج متوازنة وتشمل أغلب مجالات النمو، دون إفراط في الاهتمام المبالغ فيه، حتى لا يتحول التدخل نفسه إلى سبب جديد للتعلق.

اختيار الأسلوب العلاجي المناسب (تحليل السلوك التطبيقي – ABA)
بعد التقييم الشامل لحالة الطفل، تأتي خطوة تصميم خطة علاج فردية تتناسب مع احتياجاته الخاصة. وهنا يبرز دور تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis – ABA) كأحد أهم الأساليب المستخدمة في تعديل السلوك.
ما هو تحليل السلوك التطبيقي (ABA)؟
هو منهج علمي يقوم على دراسة سلوك الطفل وتحليل أسبابه، ثم التدخل بخطوات مدروسة لتقليل السلوكيات غير المرغوبة وتعزيز السلوكيات الإيجابية. يعتمد على الملاحظة المباشرة، والقياس الدقيق، والتعزيز المستمر.
كيف يُطبق عمليًا؟
- تحديد السلوك المستهدف
- مثل: تعلق الطفل المفرط بالبطانية ورفضه الذهاب إلى الروضة بدونها.
- تحليل المثيرات والنتائج
- ما الذي يسبق السلوك (المثير)؟ → مثل: عند اقتراب وقت مغادرة البيت.
- ما الذي يتبع السلوك (النتيجة)؟ → الأم تسمح له بأخذ البطانية.
- وضع خطة التدخل
- تقديم بدائل تدريجية: السماح للطفل بحمل البطانية في الطريق فقط، ثم تقليل المدة تدريجيًا حتى يذهب للروضة بدونها.
- استخدام التعزيز الإيجابي: مدح الطفل أو منحه مكافأة صغيرة عندما ينجح في دخول الروضة دون بطانية.
- تعزيز السلوك الإيجابي
- إذا أظهر الطفل سلوكًا استقلاليًا (مثل اللعب مع أصدقائه بدون الحاجة للبطانية)، يُكافأ فورًا لتعزيز هذا السلوك.
مثال آخر:
- المشكلة: طفل يرفض النوم إلا بجوار أمه.
- الخطة باستخدام ABA:
- اليوم الأول: ينام الطفل بجوار سرير الأم.
- الأيام التالية: يتم إبعاده تدريجيًا حتى ينام في سريره الخاص.
- مع كل نجاح، يحصل الطفل على مكافأة أو نشاط محبب قبل النوم.
بهذا الأسلوب، يتم تعديل السلوك بطريقة تدريجية قائمة على الملاحظة، مما يساعد الطفل على التخلي عن التعلق غير الصحي وبناء عادات أكثر استقلالية.

كيف أبحث بعمق عن أسباب حدوث التعلق؟؟
1. الجانب النفسي
- سبب: تعرض الطفل للحرمان العاطفي أو القلق المستمر,أو غياب احد الوالدين لفترات طويلة بصورة غير مستقرة .
- مثال: طفل فقد والده في سن مبكرة وأصبح شديد التعلق بوالدته خوفًا من فقدها أيضًا.
2. الجانب الاجتماعي
- سبب: ضعف اندماج الطفل مع أقرانه أو عزوفه عن اللعب الجماعي أو تعرض الطفل للتنمر, أو عندما يكون الطفل وحيد ابويه وغيرها .
- مثال: طفل يرفض المشاركة في أنشطة الروضة ويفضل البقاء بجوار المعلمة أو لعبة معينة تمنحه الأمان.
3. الجانب المهاري
- سبب: قصور في بعض المهارات الاستقلالية مثل الأكل أو اللبس بمفرده.
- مثال: طفل عمره 7 سنوات لا يأكل إلا إذا أطعمته أمه، مما يزيد من اعتماده عليها.
4. الجانب اللغوي
- سبب: ضعف التواصل اللفظي أو تأخر الكلام.
- مثال: طفل متأخر لغويًا لا يستطيع التعبير عن مشاعره بالكلمات، فيلجأ للتشبث بالبطانية أو أمه كوسيلة للتواصل.
5. الجانب الحسي
- سبب: اضطرابات في التكامل الحسي (Sensory Integration Disorder)، حيث يجد الطفل صعوبة في تنظيم المدخلات الحسية من البيئة المحيطة به. هذا الخلل لا يؤثر فقط على حواس الطفل (السمع، البصر، اللمس…)، بل ينعكس مباشرة على الجانب النفسي في صورة توتر، قلق، خوف أو حتى أعراض اكتئاب.
- مثال: طفل يتوتر بشدة عند سماع أصوات مرتفعة أو عند لمس خامات معينة (مثل الرمل أو الطين)، فيتعلق بأداة أو شخص يمنحه الأمان لتهدئة قلقه.
- أحد المسببات الحديثة: الإفراط في استخدام الشاشات والجوالات في عمر مبكر، خصوصًا قبل بلوغ الطفل سن العاشرة. التعرض المفرط للمؤثرات البصرية والسمعية السريعة يؤدي إلى خلل في التكامل الحسي، مما يجعل الطفل أكثر عرضة للاضطرابات الانفعالية مثل ضعف التركيز، القلق، وسرعة الانفعال.
مثال: طفل يقضي ساعات طويلة أمام الألعاب الإلكترونية، يصبح حساسًا جدًا للأصوات ويشعر بالخوف عند تواجده في أماكن مزدحمة ويعاني من توتر وقلق واكتئاب ناتج عن خلل اضطراب المعالجة الحسية
6. الجانب الحركي
- سبب: وجود إعاقة جسدية أو ضعف في الحركة.
- مثال: طفل يعاني من شلل جزئي بسيط، يجد صعوبة في اللعب مع أقرانه، فيتمسك بلعبة أو شخص مقرّب كتعويض عن عجزه الحركي.
الخاتمة
ليس كل اضطراب أو مشكلة انفعالية عند الطفل يحتاج إلى علاج خارجي أو جلسات متخصصة، فالكثير من الحلول تبدأ من داخل البيت. إن الأسرة الواعية والمثقفة، التي تحتوي طفلها وتمنحه الحب والاهتمام، وتستعين بخبرات المختصين عند الحاجة، هي الأساس في تحسين سياسة التعامل معه.
لكن يبقى الجوهر دائمًا في معاملة الأم والأب للطفل، وفي قدرتهم على توفير بيئة مستقرة وآمنة تعزز شعوره بالطمأنينة والاتزان النفسي. فالبيت هو الحاضن الأول والأكثر تأثيرًا، وأي جهد يُبذل فيه بحكمة ووعي، ينعكس إيجابًا على نمو الطفل العاطفي والاجتماعي مدى الحياة.
الأخصائية / نهى الحربي
